لابد أن الجميع قد تابع وباهتمام الأحداث التي خلفها قرار تعيين نجل الرئيس الفرنسي جان ساركوزي (23سنة) رئيسا لأكبر حي للأعمال بأوربا حي "لاديفانس"، وكيف أن الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية والرأي العام الفرنسي عبروا عن رفضهم القاطع لهذا القرار الذي اعتبروه ممارسة للمحسوبية، الشيء الذي دفع برئيس الجمهورية إلى التراجع عن قراره أمام الغضب الشعبي لأغلبية الشعب الفرنسي، فصحيح أن هذا يدل في جانب منه على ديمقراطية الجمهورية، لأن صوت الشعب وإرادته كانتا أقوى من سلطة السلطة، ولعل هذا يحيلنا إلى التساؤل عن أسباب هذه القوة.
ولفهم ذلك، يجب ان نقف عند التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في التاريخ السياسي والثقافي لفرنسا، والتي كانت نتيجة للثورة الفرنسية 1789-1799 التي عملت على إلغاء نظام الملكية المطلقة والامتيازات الإقطاعية للطبقة الأرستقراطية والنفوذ الديني.
فما تعيشه فرنسا اليوم من ازدهار اقتصادي ووعي سياسي جريء ليس وليد لحظته وإنما نتيجة حتمية لنطال شعب باسل" الحركات الطلابية العمالية والقومية..." وتنظير مفكرين غيوريين" مفكروا عصر الأنوار، جان جاك روسو، منيسيكو،فولتير" الذين سخروا حياتهم من اجل هدف نبيل عنوانه التحرر من سلطة الحكم الملكي المطلق وانتقاد النظام القديم مبينين عيوبه للناس، بل لم تقف فرنسا عن هذا الحد بل تجاوزته إلى ما هو أعظم وانبل بكثير فقد عملت على تصدير أفكار التحرر من الأنظمة المحافظة السائدة آنذاك الى باقي شعوب المعمور تحت شعار الثورة الخالدة " الحرية، الإخاء، المساواة" فأججت نار القومية لذا شعوب أوربا الغربية ورسختها في قلوبهم، وصاروا على نهجها أوفياء إلى أن حققوا النصر وأنهوا قطعيا مع حلقة مأساوية من تاريخ أوربا.
هذه الحلقة التي على الرغم من مرور قرن و نصف من الزمن مازالت الشعوب العربية تعايشها و تكتوي من ويلاتها إلى يومنا هذا، فأنظمة الحكم الاستبدادية المطلقة التي تستمد سلطتها من السماء والأرض ما تزال قائمة، والامتيازات الهائلة التي تمنح لأبناء الملوك والأمراء وحاشيتهم في ازدياد مستمر، وقرارت الحكام صارت كلاما مقدسا لايمكن تجاوزه أو مناقشته حتى، أما هؤلاء الذين خولت لهم سلطتهم ومالهم أن يكونوا أسيادا على القانون فحدث بلا حرج، وفي الضفة الأخرى نجد هذه الشعوب المغلوب على أمرها تقف عاجزة عجز البدوي الذي زار المدينة للوهلة الأولى، فلاهي تحرك ساكنا أو تجر مجرورا، عجزها هذا أيضا له مسبباته ومبرراته، فاستنادا للوضعية الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تعيشها هذه الشعوب والتي تؤثر بشكل سلبي على توجهاتها السياسية الكبرى، نجد أنها تعيش حالة من الانحطاط الذي ينبؤ بفنائها إن استمر الوضع على ما هو عليه.
إن الشعوب العربية إن أرادت أن تلحق بركب الدول المتقدمة فلابد لها من تغيير أنماط أفكارها التقليدية والدينية وان تولي اهتماما للعقل المعرفي الذي بفضله حتما، ستجتاز كل إشكالاتها الراهنة والمستقبلية وأن تكف عن استهلاك الشعارات مفرغة إياها من حمولتها الفكرية وأبعادها الحقيقية وان تنخرط ضمن الحركات الأدبية والفلسفية، مستفيدة على ذلك من تجارب من سبقوها في التحرر والنضال، فنحن لسنا بحاجة إلى تكرار التاريخ بحلوه ومره بل يكفي الوقوف على أهم محطاته الحافلة بالتجارب الخالدة لأخد الفائدة والعبرة منها.
حينها سنسمع بان شعب مصر يحتج بقوة على قرار توريث الحكم لإبن رئيس الجمهورية فيلغى على اثر ذلك قرار التوريث ويقدم اعتذار رسمي بشأنه نزولا عند رغبة الشعب واحتراما لإرادته، و سنسمع بانتخابات رئاسية في تونس و الجزائر او أي شبر من التراب العربي صناديق اقتراعها لم تنتهي بنتيجة 99 في المائة لصالح مرشح ما، ونجد بان محاكمات الصحفيين ومصادرة حقهم في التعبير قد ولت إلى ما لا رجعة، وان ابن العامل والفلاح بكفائته وجدارته ينافس ابن الرئيس...
حينها ومن دون شك نستطيع أن نفتخر بأننا قد قطعنا مع تلك السنين الضوئية من الزمن التي تفصل بيننا وبين الغرب، الغرب الذي يعجبنا أن نتفنن في وصفه بالكافر، فما جدوى إيمانكم يا ترى؟؟؟





الخناجر المسمومة تنخر أحشائي







